قتل موزارت ما خلقه
كتب: فيصل الحبيني
Updated: 22/07/2013 03:59:31 PM
  • التعليقـات(0)
التقيم:
قد يظن البعض أن الحكاية التي نحن بصدد حكيها في هذا التقرير، حكاية عجيبة. وهم على حق، فهي حكاية عجيبة بالفعل، إلا أنها حقيقية في الوقت ذاته. هي حكاية عن فنانٍ آمن بفنه، حتى قتله. عن رجلٍ كابد الجوع والبرد والمرض، ورأى أن الموت كان قريبًا منه، ولكنه توقف، ولم يتراجع ولم يرتعد، بل نظر في عيني الموت مباشرة، وأنشد أغنيته الأخيرة، الريكوييم، أو ترتيلة الموتى، وهي آخر أعمال الموسيقار النمساوي الشهير، آماديوس موزارت. وهي لقلبي، أجملها وأرقها على الإطلاق.

دعونا من الحديث المكرر عن عدد السيمفونيات الهائل التي ألفها في حياته، والعمر المبكر الإعجازي الذي أنجز فيه أول سيمفونية له. فإنني عادة لا أبحث عن العبقري في الفنان فحسب، بل أكثر ما يهمني هو الإنسان فيه. وفي موزارت خاصة، جانب أحب التوغل فيه. جانب يمتلك إيمانًا عميقًا بالفن، يجعله يمارس تأليف الموسيقى كطريقة حياة، لا ترفًا. وأي ترفٌ ممكن أن يكون، إن كان محاطًا بالجوع والبرد ودموع زوجة وابن مشردين؟ فلأولئك الذين ما يزالوا يرون أن الفن ترفًا، إليكم موزارت مثالًا آخرًا.

بدأت القصة، حينما طُلب من موزارت تلحين قدّاس مقابل المال، ليعزفها في أحد الجنازات. وهو قداس تقوم به الكنيسة الكاثوليكية في الجنازات والمناسبات التذكارية للميت، والغرض منه هو الاستغفار والصلاة لراحة روح الميت في العالم الآخر. ونظًرًا لحالة الفقر الشديدة التي كان يكابدها موزارت في تلك الفترة من حياته، وافق، رغم أن صحته كانت تعوزه عن ذلك. يُقال أن طلب القداس كان من قبل الكونت فرانز فون والسيق، الذي أراد أن يقيم قداسًا لذكرى زوجته الراحلة.

كان موزارت صادقًا في تأليف هذا القداس بطريقة غريبة، حتى صارت ثقلًا عليه. ومع الوقت، والسهر الطويل، والإرهاق والهوس بانهاء هذا العمل، اكتشف أنه في الحقيقة كان يؤلف أغنية جنازته، وموته. شعر ببذرة الموت ترتعش في صدره، فأسقاها بموسيقاه السوداوية والكئيبة. شعر بها تتفجر وينبثق منها جذرٌ أسود مريع، ولم يخف. انتشرت غصون الموت في دمه واستحلت عروقه، ولم يرتعد. بل ظل ماشيًا للأمام، وراء الأصوات التي كان يسمعها في قلبه، والأناشيد التي كان يملأ بها عمله، حتى وصل إلى الهاوية. كان صوتًا بداخله يصلي ويطلب الخلاص، فراح يصلي معه ويرتل معه بكتابة مقاطع العمل. حتى طرحته موسيقاه قتيلًا، وانبثقت من رأسه أخيرًا، زهرة الموت السوداء.

رغم أنه مات قبل أن يكملها، إلا أن مقطوعته كانت ثورة فنية حقيقية. وأرى أن هذه الثورة قد تبلورت بالفعل في المقطع الثامن منها، اللاكريموسا، أجمل وأقرب مقاطع الترتيلة إلى قلبي. ليس لأنها تُشعرني بسكينة داخلية فحسب، ولا لعبقريتها الخالصة التي تستفزني. بل لأنها أكثر المقاطع التي أرعبتني بكلامها ومعانيها. يقول المقطع: "سيكون يومًا مليئًا بالدموع، يوم ينهض الإنسان المذنب من قاع التراب، لتتم محاكمته. يومها، أيها الرب الكريم، ارحمه، ودعه يستريح للأبد. آمين." قادني هذا النشيد لتساؤل: أمن العدل حقًا أن نطلب أمرًا كهذا؟ ودفعني هذا المقطع للخوض في تساؤلاتٍ طويلة وبحوثٍ عديدة لا تخص تقريرنا هذا.

كثيرة هي السير الذاتية التي تناولت حياة موزارت، والتي وصفَتها بأنها دنيئة، شهوانية، وطائشة. فمن هذا المنطلق، يمكن النظر لهذه المسئلة برمتها، كاستغفار موزارت لربه، حينما شعر بأن موته يقترب منه. أراد أن يستغفر حياته الشبابية الطائشة أمام الله بهذه المعزوفة الصادقة، فصارت هذه المعزوفة جنازته. وكأنه كان يحقق قوله الذي كان يردده: إني أحمدُ الله كثيرًا على كشفه لي بأن الموت هو مفتاح السعادة الحقيقيّة.

كان موت موزارت، وحتى اليوم، موضوعًا مثيرًا للبحث والتحقيق. فقد قال البعض أنه قد سُمِّمَ من قبل شخص مجهول. فالبعض، منهم الشاعر الروسي العملاق بوشكين، اتهم منافسه الموسيقار الإيطالي أنطونيو سالييري بتسميمه، من باب الحسد المدفون في نفسه. واتهم البعض الآخر الماسونية في قتله، من باب أنه اخترق الرموز الماسونية في أوبيرا الناي المسحور. ثم أكد أقربائه أن لم يمت مسمومًا، بل مرضه هو الذي قتله. وعمومًا، مهما اختلفت القصص وتباينت الأقاويل، فإن جميعها تشترك في أن موزارت قد أجهد نفسه بالعمل على هذه المقطوعة حتى الهلاك، ليستطيع انهاءها في الوقت المحدد له. كان موزارت إذن يتغزل بالموت بفرط، حتى أتاه الموت بنفسه وضمه إليه.

وهكذا، قَتل موزارت ما خلقه. ومات عن عمرٍ يناهز الخامسة والثلاثون، وشُيّع في جنازةٍ لم يحضرها سوى خمسة أشخاص، في صباح يومٍ قارس البرودة في فيينا.

التعليقات (0)
تسجيلك سيحفظ لك جميع تعليقاتك و يحفظ ايضا اسمك المستعار لمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات

بالإضافة يمكنك متابعة أصدقائك و أعضاء آخرين و التفاعل مع تعليقاتهم لخلق نقاش مفتوح و بناء

  
الآراء و التعليقات و الردود تمثل رأي أصحابها وموقع آراء يخلي مسئوليته عنها، يرجى مراجعة سياسة التعليقات قبل التعليق.